محمود توفيق محمد سعد

315

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( الروم : 41 ) وغير ذلك كثير ، وهو صريح في البيان عن اتيان السوء بالفعل المجرد " كسب " وجاء الفعل " اكتسب " مفردا مع السوء ، كما في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ( النور : 11 ) أما قول اللّه جلّ جلاله في سورة النساء ( ي : 32 ) وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً فليس الفعل المزيد هنا متمحضا للخير أو الشر ، بل هو جامع لهما . والبقاعي لم يبين وجه مناسبة البيان بصيغة " افتعل " للسياق والقصد في سورة " النساء " ولكنه اكتفى بقوله : " ولمّا نهى عن القتل وعن الأكل بالباطل بالفعل ، وهما من أعمال الجوارح ليصير الظاهر طاهرا عن المعاصي الوخيمة ، نهى عن التمني الذي هو مقدمة الأكل ؛ ليكون نهيا عن الأكل بطرق الأولى . . . . والنهي هنا للتحريم عند أكثر العلماء فقال : وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ أي في الإرث وغيره من جميع الفضائل النفسية المتعلقة بالقوة النظرية كالذكاء . . . . أو بالقوة العملية كالعفة . . . . . أو الفضائل البدنية كالصحة . . . أو الفضائل الخارجية مثل كثرة الأولاد الصلحاء . . . ولما نهى سبحانه وتعالى عن ذلك علّله بما ينبه على السعي في الاسترزاق والإجمال في الطلب . . . فقال مشيرا إلى أنّه لا ينال أحد جميع ما يؤمل ( للرجال نصيب ) أي قد فرغ من تقديره ، فهو بحيث لا يزيد ولا ينقص ، وبيّن سبحانه أنه ينبغي الطلب والعمل ، كما أشار إليه الحديث فقال : ( مما اكتسبوا ) أي كلفوا أنفسهم وأتعبوها في كسبه من أمور الدارين من الثواب وأسبابه من الطاعات ومن الميراث والسعي في المكاسب والأرباح . . . " « 1 » اكتفى كما ترى ببيان دلالة هذه الصيغة على التكلف والاعتمال ، من غير أن يبيّن لنا وجه مناسبتها للسياق والقصد المنصوب له الكلام

--> ( 1 ) - نظم الدرر : 5 / 262